عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

135

اللباب في علوم الكتاب

وقد جاءت جموع على غير ما يستعمل واحدها ، وقياسه النّصارنيون . وسموا بذلك نسبة إلى قرية يقال لها : « ناصرة » كان ينزلها عيسى عليه الصلاة والسلام ، قاله ابن عباس ، وقتادة ، وابن جريج . فنسب عيسى إليها ، فقيل : عيسى الناصري ، فلما نسب أصحابه إليه قيل : النّصارى . قال الجوهري : و « نصران » قرية ب « الشّام » ينسب إليها النصارى . أو لأنهم كانوا يتناصرون ؛ قال الشاعر : [ الرجز ] 554 - لمّا رأيت نبطا أنصارا * شمّرت عن ركبتي الإزارا كنت لهم من النّصارى جارا « 1 » وقيل : لأن عيسى - عليه الصلاة والسلام - قال للحواريين : مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ [ آل عمران : 52 ] . و « الصّابئين » الجمهور على همزه ، وقرأه « 2 » نافع وشيبة « 3 » والزهري بياء ساكنة غير مهموزة ، وعن أبي جعفر بياءين خالصتين بدل الهمزة ، فمن همزه جعله من صبأ ناب البعير أي : خرج ، وصبأت النجوم : طلعت . وقال أبو علي : صبأت على القوم إذا طرأت عليهم . فالصّابىء : التّارك لدينه ، كالصّابىء الطارىء على القوم ، فإنه تارك لأرضه ، ومنتقل عنها . ومن لم يهمز فإنه يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون مأخوذا من المهموز فأبدل من الهمزة حرف علّة إما ياء أو واوا ، فصار من باب المنقوص مثل : « قاض أو غاز » ، والأصل : صاب ، ثم جمع كما يجمع القاضي أو الغازي ، إلا أن سيبويه « 4 » لا يرى قلب هذه الهمزة إلّا في الشعر ، والأخفش وأبو زيد يريان ذلك مطلقا . الثّاني : أنه من باب « صبا . . يصبو » إذا مال ، ولذلك كانت العرب يسمون النبي صلّى اللّه عليه وسلم صابئا ؛ لأنه أظهر دينا خلاف أديانهم ، فالصّابي كالغازي أصله : « صابوا » فأعلّ كإعلال

--> ( 1 ) ينظر أمالي ابن الشجري : ( 1 / 79 ) ، القرطبي : ( 1 / 294 ) ، معاني القرآن للفراء : ( 1 / 441 ) ، تفسير الطبري : 2 / 144 ، الدر المصون : 1 / 247 . ( 2 ) تقدم تخريج هذه القراءة . ( 3 ) شيبة بن نصاح بن سرجس بن يعقوب ، إمام ، ثقة ، مقرىء المدينة مع أبي جعفر وقاضيها ، ومولى أم سلمة - رضي اللّه عنها ، مسحت على رأسه ودعت له بالخير ، وقال الحافظ أبو العلاء : هو من قراء التابعين الذين أدركوا أصحاب النبي - صلّى اللّه عليه وسلم ، وأدرك أمّي المؤمنين عائشة وأم سلمة . مات سنة 130 في أيّام مروان بن محمد وقيل غير ذلك . ينظر غاية النهاية : 1 / 329 . ( 4 ) ينظر الكتاب : 2 / 190 .